أحمد الشرباصي

152

موسوعة اخلاق القرآن

العبودية في فهمهم إيمان عميق ، وفهم دقيق ، وارتباط باللّه وثيق ، ووفاء لا يخالطه ضعف ، وإسلام للّه لا يخالطه إعراض ، وإزهاق للنزوات والرغبات ، مع إحياء للاجتهاد في القربات والطاعات ، ولذلك يقول أبو العباس السياري الصوفي : « العبودية معرفة المعبود ، والقيام بالعهود » . ويقول الحارث المحاسبي : « صفة العبودية ألا ترى لنفسك ملكا ، وتعلم أنك لا تملك لنفسك ضرا ولا نفعا » . ولقد سئل أبو حفص النيسابوري عن العبودية ، فقال : « ترك الذي لك ، والتزام ما أمرت به » . ويقول أحمد بن خضرويه البلخي : « في الحرية تمام العبودية ، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية » . وهذه العبارة تذكر في بيتين للمرحوم عبد الوهاب عزام - وكان صاحب ذوق صوفي - يقول فيهما : قيّد الحرّ نفسه بهداه * وأبى في الحياة قيد سواه وترى العبد راضيا كلّ قيد * غير تقييد نفسه عن هواه ويقول محمد بن علي الترمذي : « من جهل أوصاف العبودية فهو بنعوت الربوبية أجهل » . ثم يقبل علينا أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل المغربي ، الذي كان أستاذا للخواص وإبراهيم بن شيبان ، والذي مات سنة تسع وتسعين ومائتين . يقبل علينا أبو عبد اللّه ليحدثنا عن العبودية في فهمه حديثا فيه دقة وعمق ، فيقول : « من ادعى العبودية وله مراد باق فيه فهو كاذب في دعواه ، إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته ، وقام بمراد سيده ، يكون اسمه ما سمّي به ، ونعته ما حلّي به ، إذا سمّي باسم أجاب عن العبودية ، فلا اسم له ولا وسم ، لا يجيب إلا لمن يدعوه بعبودية سيده » . يقول أبو عبد اللّه هذا ، ثم يبكي ويقول : لا تدعني إلا « بيا عبدها » * فإنها أصدق أسمائي ! ! * * وبعد ، فان القرآن الكريم يدعونا إلى إخلاص العبودية للّه رب العالمين ،